حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

429

التمييز

إنّ للباقي بالماضي معتبرا وللآخر بالأوّل مزدجرا . ولنا في كلّ ميّت عظة بحاله وعبرة بماله . وقال لقمان : مال المبتلى الّذي اشتد بلاؤه بأحوج إلى الدّعاء من المعافا الّذي لا يأمن البلاء . وما ابتلى عبد بشيء أشدّ من القسوة والغفلة ، والنّفس فارغة فإن شغلتها بما يصلحك وإلّا شغلتك بما يفسدك ، وقد كثر الحثّ على هذا وكثرت الأقاويل فيه ولم يزل المذكّرون يذكّرون والمنبّهون / 210 ب / ينبّهون لو يجدون سمعا راعيا وقلبا واعيا ومحلّا قابلا ، ولا فائدة في النصح للنّاس إلّا أن يشوّقهم إلى أحوال فوق ما هم عليه ولو نصحهم بما هم متخلّقون به لم يكن للنصح فائدة ، شعر ( الطويل ) إذا لم يكن للمرء نفس كريمة تهسّ « 1 » إذا أوحت إليه النصائح ولا مطمع في رشده وصلاحه ولو صاح يوما بالنصائح ناصح وقال الجنيد « 2 » : كثرة النّظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحقّ ، والمبادرات إلى الطّاعات من علامات التوفيق ، والقعود عن المخالفات علامة حسن الرعاية ، ومراعاة الأسرار من علامة اليقظة ، وإظهار الدّعاوي من رعونات النّفس البشريّة . ومن لم يصحّح مبادئ إرادته لم يسلم في منتهى عواقبه . وإذا انجلت هذه الظلم تبد لك هذه الثلم . رحم اللّه امرأ أيقظ نفسه في مهلة الحياة قبل أن توقظه روعة الممات ، وأنّ اللّيل والنّهار خزانتان من أودعهما شيئا أدّياه ، وأنّهما يعملان فيك فاعمل فيهما ، والأعمال صورة قائمة أرواحها وجود سرّ الإخلاص فيها . وجاء في الحديث « ليس للمؤمن المستقيم غمّ الموت ولا وحشة القبر ولا فزع « 3 » يوم القيامة » . وفي حديث آخر [ « من كفّ أذاه عن النّاس كان حقّا على اللّه أن يكفّ عنه أذى القبر » ] « 4 » .

--> ( 1 ) المواهسة : المكالمة سرّا . ( 2 ) سبقت ترجمته . ( 3 ) الفزع ضدّ الأمن وهو عدم توقّع مكروه في الزمان الآتي . ( 4 ) زيادة من أسعد أفندي ، داماد إبراهيم 946 ، نور عثمانية 3755 ، نور عثمانية 3753 ، عاطف أفندي .